ابن أبي الحديد
96
شرح نهج البلاغة
النفير يعتبر بك غيرك من قومك ، فأخرج أو أبعث رجلا ، فقال واللات والعزى لا أخرج ولا أبعث أحدا ، فجاءه أبو جهل فقال أقم يا أبا عتبة ، فوالله ما خرجنا إلا غضبا لدينك ودين آبائك وخاف أبو جهل أن يسلم أبو لهب ، فسكت أبو لهب ولم يخرج ولم يبعث ، وما منع أبا لهب أن يخرج إلا الاشفاق من رؤيا عاتكة ، كان يقول إنما رؤيا عاتكة اخذ باليد ، ويقال إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان له عليه دين ، فقال اخرج وديني عليك لك ، فخرج عنه . وقال محمد بن إسحاق في المغازي كان دين أبى لهب على العاص بن هشام أربعة آلاف درهم ، فمطله بها وأفلس ، فتركها له على أن يكون مكانه ، فخرج مكانه . قال الواقدي : وأخرج عتبة وشيبة دروعا لهما ، فنظر إليهما مولاهما عداس وهما يصلحان دروعهما وآله حربهما ، فقال ما تريدان فقالا ألم تر إلى الرجل الذي أرسلناك إليه بالعنب في كرمنا بالطائف قال : نعم ، قالا نخرج فنقاتله ، فبكى ، وقال : لا تخرجا ، فوالله إنه لنبي ، فأبيا فخرجا ، وخرج معهما فقتل ببدر معهما . قلت حديث العنب في كرم ابني ربيعة بالطائف قد ذكره أرباب السيرة ، وشرحه الطبري في التاريخ ، قال : لما مات أبو طالب بمكة طمعت قريش في رسول الله صلى الله عليه وآله ونالت منه ما لم تكن تناله في حياة أبى طالب ، فخرج من مكة خائفا على نفسه مهاجرا إلى ربه يؤم الطائف ، راجيا أن يدعو أهلها إلى الاسلام فيجيبوه ، وذلك في شوال من سنة عشر من النبوة ، فأقام بالطائف عشرة أيام ، وقيل شهرا ، لا يدع أحدا من أشراف ثقيف الا جاءه وكلمه ، فلم يجيبوه ، وأشاروا عليه أن يخرج عن أرضهم ، ويلحق بمجاهل الأرض وبحيث لا يعرف ، وأغروا به سفهاءهم ، فرموه بالحجارة ، حتى إن رجليه لتدميان ، فكان معه زيد بن حارثة ، فكان يقيه بنفسه ، حتى لقد شج في رأسه .